
طوال شهر رمضان المبارك، نعود إلى سجلات الزمن لاستعراض ذكريات شكلت وجدان الشعب المصري وأثرت على تاريخ الكرة الأفريقية، تاريخ المنتخبات الوطنية المصرية مليء بالقصص الملهمة التي تجاوزت حدود الملعب، حيث امتزجت العزيمة مع الموهبة لتدوين ملاحم كروية في أصعب الظروف، خلال هذا الشهر الكريم، سنقوم يومياً بالغوص في حلقات خاصة تستعرض محطات فارقة من ذاكرة “الفراعنة” لنروي قصة بطولات بدت مستحيلة أو مدربين غيروا مجرى التاريخ بفكرهم وإخلاصهم أو أحداث غير متوقعة قلبت الموازين وأفرحت الملايين، سنسلط الضوء أيضاً على قصص الصمود والتحدي التي جعلت اسم مصر رقماً صعباً في القارة السمراء والميادين العالمية لنستمد من تلك المواقف دروساً في الإصرار تليق بروح الشهر الفضيل.
لم تكن نشأة المنتخب المصري لكرة القدم مجرد حدث رياضي عابر، بل جاءت نتيجة لظروف سياسية عالمية معقدة عقب الحرب العالمية الأولى، في عام 1919، قررت اللجنة الأولمبية الدولية استئناف دوراتها بعد توقف طويل واختارت مدينة “أنتويرب” البلجيكية لاستضافة نسخة 1920، وبسبب وضع مصر كحليف لبريطانيا وبلجيكا ضد المحور، وُجهت لها دعوة رسمية للمشاركة ضمن 29 دولة، خطوة تحمل صبغة سياسية واضحة لتعزيز جبهة الحلفاء المنتصرين في الحرب.
تسلم “أنجيو بولاناكي”، اليوناني الأصل ومؤسس اللجنة الأولمبية المصرية، دعوة المشاركة وحاول فرض سيطرته المطلقة على اختيار عناصر المنتخب، لكن “حسين حجازي”، الأب الروحي للكرة المصرية، لم يقف مكتوف الأيدي، فقد طالب بأن يكون للمصريين الحق في تشكيل فريقهم، وبعد شد وجذب، حسم الإنجليزي “مستر سمبسون” النزاع بذكاء سياسي من خلال منح المصريين حرية اختيار فريقهم لتجنب أي صدام شعبي جديد بعد ثورة 1919، مما أدى لتشكيل أول لجنة رسمية لكرة القدم برئاسة “جعفر باشا والي”.
في يوم 28 أغسطس 1920، احتضن ملعب “جوليس أوتينستاديون” بمدينة جينت البلجيكية أول مباراة رسمية دولية في تاريخ مصر ضد المنتخب الإيطالي، أمام جمهور ينعد عددهم بنحو 2000 متفرج، وأطلق الحكم “باول بوتس” صافرته، شهدت الدقيقة 30 لحظة خالدة حين سجل “حسن علوبة” أول هدف رسمي في تاريخ الفراعنة بعد إدراك التعادل بعد تقدم الإيطاليين، ليعلن للعالم عن انطلاقة قوة كروية أفريقية وعربية جديدة.
احتل منتخب مصر المركز الثامن في ترتيب منتخبات كرة القدم خلال دورة أنتويرب من بين 16 منتخب، وكان هذا المركز يرمز في تلك الأيام إلى الترتيب الكروي العالمي، حيث لم تكن هناك بطولة كأس عالم مستهل تجري، فأصبح منتخب مصر ثامن العالم كروياً وهو يعتبر أفضل تصنيف كروي لمنتخب مصر في تاريخه.
تشكيلات المباراة التي خاضها المنتخب في ذلك اليوم كانت تضم في حراسة المرمى “كامل طه”، وفي الدفاع “محمد السيد” و”عبد السلام حمدي”، وفي الوسط “علي حسني” و”محمد صبري” و”جميل عثمان”، في الهجوم “حسين حجازي” و”حسن علوبة” و”توفيق عبدالله” و”السيد أباظة” و”زكي عثمان”، وهذا التشكيل تمكن من إحراج الإيطاليين وإدراك التعادل خلال الشوط الأول من تلك المباراة التاريخية.







