
طوال شهر رمضان المبارك، يستعيد الشعب المصري ذكريات أبطال كرة القدم الذين صاغوا تاريخه، تاريخ المنتخبات الوطنية المصرية مليء بالقصص الملهمة التي تتعدى حدود الملاعب، حيث تلاقت العزيمة مع الموهبة لخلق إنجازات كروية في أصعب الظروف، يشاركنا هذا الشهر حلقات خاصة تستعرض محطات فارقة من ذاكرة “الفراعنة”، حكايات عن بطولات بدت مستحيلة، مدربين غيروا مجرى التاريخ بفكرهم وإخلاصهم، وأحداث فريدة غير متوقعة قلبت الموازين وأبكت الملايين فرحاً وفخراً، بالإضافة إلى قصص الصمود والتحدي التي جعلت من اسم مصر رقماً صعباً في القارة السمراء والمحافل العالمية، نستمد من تلك المواقف دروساً في الإصرار تتناسب مع روح الشهر الفضيل.
عاش حسين حجازي حياته مليئة بالشغف، مفضلاً الدروب الصعبة على حياة الرفاهية في كنف أسرته الأرستقراطية، عندما غادر ميناء الإسكندرية عام 1911 متجهاً إلى إنجلترا لم يكن مجرد طالب يسعى لشهادة في الهندسة بل كان يحمل “جينات” ثورة كروية ستغير وجه الرياضة في مصر، كشفت الوثائق التي احتفظ بها حفيده عن حقائق مغيبة حيث وُلد في قرية “قرملة” بالشرقية عام 1889 وليس 1891، تزوج في سن السادسة عشرة مما جعل رحلته إلى الخارج تضحية كبيرة بكيان أسرته من أجل حلم “الكرة”.
في إنجلترا، لم يكن حجازي لاعباً عابراً، بل وصفته الصحافة هناك بـ “الملك المصري”، بفضل موهبته وسرعته الفائقة أصبح أيقونة في نادي “دولويتش هامليت”، وجاء تألقه مع نادي “فولهام” وليدًا لمعركة قانونية بين الأندية الإنجليزية للحصول على خدماته بعد تسجيله هدفاً في مباراته الأولى، كان يراوغ بذكاء فطري، محولاً الكرة من مجرد لعبة إلى استعراض للمهارة المصرية في “بلاد الضباب”، لكن طبول الحرب العالمية الأولى أعادته إلى وطنه ليبدأ رحلة “تمصير” اللعبة.
عاد حجازي ليقود ثورة كروية حقيقية في مصر، متنقلاً بين الأهلي والزمالك في رحلات مكوكية كان هدفها نشر “عقيدة” كرة القدم، لم يكن انحيازه للون القميص بقدر انحيازه للمبادئ، اصطدم بإدارة الأهلي مرتين، ورفض الخضوع للبروتوكولات الملكية في واقعة الكأس السلطانية عام 1928 التي كلفته الحرمان من الأولمبياد، كان يعد “رجل المهمات السبعة”، فهو اللاعب والمدرب والقائد وعضو مجلس إدارة الاتحاد المصري، وتمكن بفضل إبداعه من وضع أساس الكرة المصرية الحديثة كأب روحي لها.
اعتزل حجازي عام 1932 بعد أن أرسى قواعد اللعبة، لكن حياته الخاصة ظلت محاطة بالأسرار التي لم يكشف عنها سوى حفيده، رحل “أبو الكرة” عام 1961 في منزله بحي عابدين، لتكتمل دراما حياته بحادثة سرقة مقتنياته وتاريخه المدون بعد وفاته بأيام، وهي حادثة قضت على كنز من التوثيق الرياضي، ورغم محاولات النسيان وتغيير مسمى النادي الذي حمل اسمه في قريته، يظل حجازي الأسطورة التي عرفت الكرة قبل أن تعرفها مصر، والمقاتل الذي روض حلمه المدن واستنزفته الطرق، ليترك لنا إرثاً لا يمحوه الزمن.






